|
|||||||
| الأسئلة الشائعة | قائمة الأعضاء | التقويم | الإعلانات | بحث | مشاركات اليوم | اجعل كافة المشاركات مقروءة |
الإهداءات |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | طرق عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
هكذا مرّت خطبة صلاة الجمعة.. وصلَ أخيراً مكان الوقوف، كأنّه بلغ القمّة ورأى الأفق، ألقى بصوته النّضر السّلام، ثمّ جلس على الكرسيّ ينتظرُ إتمام الأذان، العيونُ إليه تتّجه، لفّ رأسه بعمامةٍ خبّأت جُلّ الملامح، لكنْ ومع هذا ما تبقى منها أنبأ أنّ شيخنا في بدايةِ العمر وفي سنيـّه الأولى، إلى أن جاءت لحظته، وبدأ الحديث، فسمّى وحمد الله، وساق من السّجع، ورحتُ في كلامه، أبحرتُ على نفس القارب، وطرت في نفس السّماء، لكن يبدو أنّي بالغتُ قليلاً، فارتفعتُ عن شيخي، وأبعدتُ المسير، ثم أزحتُ رأسي أرقبُ أين صار، فوجدته بابتعاد، ثمّ أكملت الطريق، إلى أن صرت في مكانٍ مختلف، وحيداً أجوبُ الخيال، في تلك الحقول الزّاهرة والجبال، أنظرُ إلى بديع خلق الله، وأتأمّلُ كلّ المشاهد،.. مشاهد تأخذ العيون، بكلّ نظرةٍ خفقة قلب، سماءٌ زرقاء صافية وأشجار تقفز محاولة لمس وجهها الحريري، في تلك الأجواء السّاحرة أرواحٌ تتحرك، تراها قريبة بحجمها الكبير، وأخرى بعيدة على أصغر ما يكون، ترى نسراً في السماء يطير، أو حمامة أو عصفور، تُحاول اللحاق، ثمّ كأنّك ما رأيتَ شيئاً، وأخيراً تَجمعُك الأقدار، فتراهم ينزلون لبيتِ العائلة المُعلّق، والصّغارُ الجياع بانتظار، وتبدأ وجبة الغداء، كلّ يأخذ نصيبه، ويعود الهدوءُ سائداً. تسيرُ وعقلك معهم، إلى أنْ ينقطع حبل أفكارك بمشهدٍ آخر، فترى -بطّة- تقود بناتها في بركة ماء، وهم ورائها كصفّ مُحكم التّرتيب، تحميهم من كلّ دخيل، وتمنعُ هواء الأجواء من الاقتراب، ثمّ يختفون.. وكيف أنّ ملكة الغابة تصير عبدا، فتحضر فريستها لأبنائها في مكان وجودهم، ولعلها تُقطّع لهم اللحم بأنيابها.. سبحانك ربي، هي سنّتك في خلقك.. ثمّ بعد قليل من الزّمان، تنظر فترى العيال كبرت، وصارت لأهلها كمن هو في المرآة، ولن تذكر لحظة ما كان، فمع أول لقمة، تسمع صراع -القطط- كأنّها معركة على أشدّ ما يكون، ولعلّ من كانتْ صَغيرة تَذبحُ من ولدتها الآن، لن تذكر كيف أنّها خرجت من بطنها مُغمضة العيون، تنفض جسمها الصّغير الملطخ بالأوساخ، ثمّ بلسان أمها غدت ساحرة تلفت الأنظار، لن تذكر أنّها كانت غير قادرة على الوقوف، ومع الأيام قامت وكبرت، واشتدّ ساعدها، ومع أول لقمة لحم أطنبت العروق، وبدأت الصراخ مُعلنة جهوزيتها للانقضاض، وما كان من أمّها إلا أن سكتت ونظرت نظرتها الأخيرة، رأتها صغيرة تتناول الطعام منها، وهي ذي الآن بعدما قوي عودها لفظتها فما لها من لزوم،.. تلك شريعة الغاب، من استلّ القوة بقي وعاش، ومن ضمن طعامه وبيته فحكمهما انتصر، قتلت الرحمة هناك في مهدها، ولن يبقى سوى من زئيره يُسمع السّماء.. رأيتُ النّاس في حركةٍ غريبة، عُدتُ من جديد لحضرة المكان، من مدّ أقدامه جمعهما، ومن غفت عيناه استيقظ من جديد، وآخرُ أدارَ ظهره ليواجه القبلة، وكلّهم يرفعون أكفّ الدّعاء، علمتُ بقليل من الذكاء أنّ الشّيخ قال -يا فوز المستغفرين استغفروا الله-، فتبعتهم وعملت مثلما فعلوا، إلى أنْ قام لخطبة الجمعة الثانية فقال، أنّ ابناً حمل والده على ظهره، وقد خرج به إلى العراء، وسار إلى حيث الجبل البعيد، ووقف بباب مغارتين، قد عزم بهمة الشيطان أن يضع أباه هناك، فاحتار بأيّهما يفعل، إلى أن سمع مَن على ظهره يقول، أنْ ضعني هناك يا ولدي، فقد وضعت جدّك فيها. وقالَ من بعد، برّوا آبائكم تبرّكم أبناؤكم، ولا تكونوا كمن خلقه الله بلا عقل، فتسودَ شريعة الغاب، وتذكروا أنْ "لا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما"، وذكر شيخنا من بعد أنّه يوجد في مدينتنا لوحدها ما يقارب الثماني وعشرين ملجئاً للعجزة، عُلم منهم اثنين، والباقي لا يعلمه إلا من يعلمه.. ثمّ سمعته يقول: إنّي داع فأمنوا.. وانتهى ما كان، ولا أعلم إن صدق شيخنا، فأصبحنا في الغاب ولحقنا الغرب، لكنّي على تمام اليقين، أنّ القلوب لازالت بالوفاء تنبض، ولازال مُناها دعاءٌ في ظهر الغيب يُسمع، ورجاءٌ يُلبّى من بعد رضا، "أنْ ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً"،... ثمّ لا أعلم اليوم من بعد أسبوع من الزمان يا شيخي العزيز، إن كنتُ سأبقى في الأجواء، أم أنّي سأبحر من جديد.. |
|
#2
|
||||
|
||||
|
إن كنتُ سأبقى في الأجواء، أم أنّي سأبحر من جديد..
بوركت يمينك يا فنان فليس كل من يقول يفعل !!! شكرا لك .. |
|
#3
|
||||
|
||||
|
رائع يا فنان أبحرت بين حقول العندليب لتجمع منا البعيد و القريب أبدعت فأودعت فينا عبير الحب و الطيب ..... فشكرا لك .....
__________________
![]() |
|
#4
|
||||
|
||||
|
جميل جدا رائع كعادته يا فنان اليوم قرأتها ولم أكن أعلم بوجودها بوركت وبورك قلمك وجعله الله نصرا للأمه ووفقك الله ورعاك دائما وأبدا دمت ذخرا لأمتك اللهم اخعلنا ممن يتبعون القول فيقومون بأحسنه "لا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما" آمين شكرا لك يا فنان وننتظر منك المزيد المزيد |
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| طرق عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|